تسجيل الدخول  \/ 
x
أو
x
x

مدوَّنة القـــاعة

Blog de la Salle de profs

سيّدتي .. عندك سرطان ....

تعلّقت عيناها بشفتيْ الطبيبة ... أمرٌ ما أشعرها أنها مقدمة على الاستماع إلى أمرٍ جللٍ ...واصلت الطبيبةُ كلامها بصوت خفيضٍ هادئ " .. وقد تبيّن أنّ الأمعاء مصابة بسرطان وأن ّ .... " علق ذهنها بتلك الكلمة ولم تتمّكن من التقاط فكرة واحدة ممّا قيل بعدها .. كان خطابا مُطوّلا عن " الأمل" و" الحياة "و " الإيمان" ولكنّها لم تتمكّن من استيعابه .. شعرت بطنين يصمّ أذنيها وزاغت الصّور أمام ناظريها ... ولكنّها لم تميّز أيّ شعورٍ خاصّ فلا هي حزينة ولا جزعة ولا خائفة ولا مطمئنة ولا رافضة ولا متقبّلة ... الفراغ يملأ كيانها وروحها وحواسّها .. فراغ عميقٌ ممتد يسري داخلها ّ .. وتساءلت في حيرة : أما كان يفترض بها أن تبكي نفسها وتنهار وتصرخ ؟؟ لماذا لا تشعر إلا بالخواء .. لا شيء سوى الخواء..
انتبهت إلى أن الطبيبةُ سكتت .. يبدو أنها أكملت كلامها وأتمّت خطابها حول " الأمل" و" الحياة "و " الإيمان" ..قامت من مقعدها ومدّت يدها لها فلمحت في عينيها مزيجا من التعاطف والانشغال .. وفتحت الطبيبة فمها لتظيف شيئا ولكنها سارعت إلى الخروج قبل أن تستأنف كلامها إذ لم تعد تقوَ على البقاء لحظةً أخرى .. وشعرت بالامتنان لأنها تفهّمت الأمر ًو أطبقت شفتيها واكتفت بإيماءة من رأسها ..
أغلقت الباب وشقّت قاعة الانتظار وهي تشعر بأنّ كل المرضى يتعقّبون خطواتها ويرون الخلا يا السّرطانيّة وهي تنهش جسمها وتفنيه .. سارت في الممرّ الضيّق وشعرت بأن المكان اختلف جدا .. لا يمكنها أن تحدّد بدقّة كيف اختلف ولكن الألوان والأشكال تغيّرت وصار وقعها على النّفس مختلفا ... خرجت من المبنى القديم ووقفت أمام بابه محتارة : أين عساها تذهب ؟ وماذا تفعل ؟ هل تعود إلى البيت تستحم وتغيّر ملابسها وتأكل شطيرة ثم تجمع أفراد أسرتها وتقول لهم :" حسنا ... يجب أن تعلموا جميعا ... عندي سرطان في مرحلة متقدمة نوعا ما .. لنبدأ إذا طقوس الحزن والوداع .." ماااااااااااا عساها تفعل ؟؟ تذهب إلى البيت وتلازم الفراش منتظرةً تعكّر صحّتها ... منتظرةً الموت ... ولكنّها لا تطيق ملازمة الفراش .. صحيح أن في الأيام الفارطة انتابتها نوبات إرهاق وخمول .. ولكنّها أبدا لم تتوقّف عن أنشطتها العاديّة ...قطع أفكارها صوت رجل يطلب منها أن تتنحى قليلاً عن مدخل البناية ليتمكّن من العبور . شعرت بالحرج وحثّت خطاها إلى الأمام .. عبرت الشارع فلمحت حديقة عموميّة اتجهت إليها وجلست إلى أحد المقاعد الخشبيّة و أسندت رأسها إلى يديها وأغمضت عينيها .. يجب فعلا أن ترتّب أفكارها ما الذي يمكن للإنسان أن يفعله إذا علم أن موته وشيكا ؟؟ يتقرّب من خالقه ويقضي ما تبقى من أيامه متعبّدا متنسّكا ؟؟ ولكن ألن يكون التعبّد حينها خاويا من معناه الجوهريّ ... ألن يكون غير ذي جدوى لأنه يفتقر إلى الإخلاص و الاختيارالحر ؟؟ أم يجب أن تخصّص ما تبقّى لها من وقت لابنتيها ... تزوّدهما بكل الحكم والنصائح والمهارات التي قد تحتاجانها طيلة حياتهما ... هرااااء ....أم هل يجب أن تعد ّقائمة بكل الأمور التي تريدها وتودّ القيام بها فلطالما أجّلت رغباتها .. ستتناول عشاء فاخرا في ذلك المطعم المشرف على البحر... وستقتني ذلك الفستان الرائع الذي رأته في أحد المحلّات وستحضر حفلة سمفونيّة و ستسافر إلى... ولكن ... أستجد متعة في كل ذلك ؟ أيمكن للإنسان أن يستمتع والموت يرصده ويحاصره ؟؟ لم تكن تتصوّر أن كل شيء يفقد ألقه فجأة في حضرة الموت المهيبة .لم تتخيّل أنّ الإنسان لا يتذوّق تفاصيل الحياة من حوله إلا لأنه يعتقد - بشكل أو بآخر - أنه يعيش أبدا ... فأما إذا شعر بقرب النهاية فإن موازينه تختلّ .. إذًا فإن سرّ الحياة ... كلّ السّر يكمن في عدم معرفة موعد الرّحيل ...
رفعت رأسها وفتحت عينيها فشعرت أن نور الشمس يؤلمها ويمزّق روحها .. فسارعت إلى إغماضهما .. أحسّت أن عشرات العيون ترمقها والوجوه تغمر كل آفاق مخيلتها .. وجه أمّها الحزين وجه أبيها الجهم وجه زوجها الهادئ وجهي ابنتيها وجوه أقربائها.. أصدقائها .. زملائها .. جيرانها.... ودّت فجأة لو تتاح لها فرصة التّحدّث إلى بعضهم فلطالما كانت صامتة كتومة .. أرادت أن تشكر أمّها على كل ما بذلته في سبيلها وأن تخبر والدها بعمق حبّها له وأن تُعلم زوجها بأنها عاشت سعيدة إلى جواره وأن تعبّر لابنتيها عن فخرها الشديد بهما .. وأن تقول لزميلها في المكتب أنّها تحترمه جدا وأنّه مثال للرّجولة في نظرها . وأن تفتح الباب دون استئذان على مديرها وتخبره أنه أقذر مخلوق وصو ليّ تافه ..وأن تطمئن ابنة خالتها أن لا حاجة بها بعد اليوم إلى كرهها والغيرة منها ... ماعاد هناك أيّ داعٍ ..
تناهى إلى سمعها صوت أم كلثوم ينبعث من مقهى قريب .."أقولك إيه عن الشوق يا حبيبي ؟" كممم تحب هذه الأغنية .. فتحت عينيها وأجالت بصرها حولها فلمحت رجلا أربعينيا غير بعيد عنها يرمقها بنظرات إعجاب مشوبة ببعض الحيرة .. إنّها تعلم أنها جميلة وهي متعوّدة تماما على تلقّي مثل هذه النّظرات و لم تكن في الحقيقة تعيرها اهتماما .. ولكنّها اليوم استوقفتها ككلّ شيء ... أوَ ستموتُ حقا ؟ وستُوارى الثرى ؟ شعرت برجّة تزلزل كيانها وانتبهت إلى أن الرّجل يقترب منها ويسألها جادّا :" هل أنتِ بخير ؟" رفعت نحوه وجهها الغارق في الدّموع وهزّته يمينا ويسارا مردّدة : :"لا لست بخير " ثم رفعت يدها مشيرةً إلى المبنى الذي يضم المركّب الصحّي قبالتهما وقالت وهي تنشج : " أخبروني هناك منذ حين أن عندي سرطان مستشر في جسدي " غطّت وجهها بيديها وبدأت تنتحب وهي تقول :"أخبرني رجاء !! ماذا يجب أن أفعل ؟ فليست لديّ أدنى فكرة .. ماذا يفعل الناس عادة عندما يعلمون أن عندهم سرطان ؟؟ "
لم تسمع منه حرفا ولكنها شعرت بيده تربّت برفقٍ على كتفيْها المنحنيين
ـــــ ألفة فرح

نور الدين الطبوبي: لابد من فتح باب الانتدابات للمع...
و أعدّوا لهم ما استطعتم...
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment