تسجيل الدخول  \/ 
x
أو
x
x

مدوَّنة القـــاعة

Blog de la Salle de profs

لكل مناسبة حكاية .. ( الحكاية الثانية )

جاء متاخرا عن موعده عندما دخلنا قاعة الدرس .. وحين دخل وحيدا كان من السهل ان نلاحظ هيئته وشكله وسمته .. اشعث اغبر على ذقنه نبتت لحية شائكة وهوبعد فتى لم يتخطّى عتبة العمر الغض .. صفّف شعره الكثيف المهلهل وقد علاه بعض غبار امتزج بما طفح على سطحه من القشرة ..
انحشر بدنه الضئيل في قميص خفيف وبنطال انتقي من كومة الملابس المستعملة فجاء زيه غير منتظم ولا ذوق يحكمه كحال اغلبنا ..
جلس امامي وبدا درس الادب ومنذ البداية ظهرت حماسته وهو يسال ويتساءل ويحاجج وينافح بمعتقده الفكري .. كان جريئا لجوجا مزعجا ومربكا لا ينفك عن الجدل حتى يامره الاستاذ بالصمت ..
على قدر اندفاعه في المشاركة في الدرس كان مندفعا في ربط علاقات سريعة مع زملائه الجدد من تلاميذ قدموا من بلدات مختلفة ..
شملني تعارفه السريع حتى غدونا رفاقا نتنافس في الدرس ونتقاسم الاحلام ونبث صبوة الشباب ونسافر معا ومع البقية من مجموعتنا في حلم الوحدة وحلم الحياة المنعمة وحلم النجاح .. تحضرنا هذه التقاطعات ونحن نتشارك وجبة فقيرة من خبز ومرق او ونحن نفترش فراشا باليا او نحن نحتمل كرارسينا نراجع الدرس متمشين حول اطراف المدينة ..
امتدت بنا الرفقة حوالي اربعة سنين حتى عرف احدنا الاخر وانطبعت صور الوجوه وصور الحرمان والاحلام المشتركة في الذاكرة .. كان مقدار التواصل كفيلا ان ينطبع في قاع اضعف ذاكرة على وشك ان يصيبها الزهايمر فما بالك بذاكرة شباب صلبة كالحديد متيقظة نهمة للحوادث والوقائع والوجوه ,,
نجحت قبله ورسب في اختبار الباكالوريا , ولكن مع ذلك لم تنقطع الصلات بيننا فكنت اجدد لذاك الزمن الرائق عهده واقف على حنيني لذلك المعهد فاواصله واواصل اصدقائي القدامى الذين رسبوا .. اسلم عليهم وقد يحدث ان ابيت عند احدهم ولم يكن هو استثناء ..
وكان يقوم بزيارتنا في الجامعة وصادفت زيارته لنا ذات مرة تنزيل تلك المنح الضئيلة للطلبة فجمعنا له من كل فرد متطوع نصيب عاد به محبورا ..
دارت الايام وتغيرت المواقع واختلفت الدروب , حين نجح هو والتحق بنفس الكلية واندحرت انا منها اجر اذيال الخيبة ..
دخلت معتركا شاقا للحياة واحترقت فيه احلامي الكبيرة بينما واصل هو درج النجاح يعتليه درجة درجة .. حتى اتفق ان كنت في المدينة اين يدرس رفقة صديقي وصديقه واخبرني انه واعده هذا المساء لتناول القهوة في المقهى الكبير .. سعدت للخبر واستجمعت للجلسة حكايات افلة من عمرنا المشترك الحميم القديم .. واسرعنا معا نحو المقهى .. وفي باحة المقهى وعلى زاوية منها وجدناه يرتشف كاسه بحركة ارستقراطية شبيهة وبين اصابعه ظهرت سيجارته الفاخرة وقد بدا وجهه ريانا وصلح مظهره .. وهو بعد طالبا في سنته الاخيرة ,,
تقدم صديقي فوقف له وصافحه بحرارة وانتظرت دوري بعده فمد يده مؤمنا على ترحيبه المتحفظ بايماءة من راسه وابتسامة خفيفة على شفتيه كفعل مجامل نقوم به عادة مع الاغراب ملاطفة واسترضاء ليس اكثر ...
تعجبت من ذلك قليلا ثم قلت في نفسي لاباس .. ربما هي لامبالاة او استهتار غير مقصود ين..
ثم جلسنا وبعد حوار مع صديقينا .. تدخلت هاشا وانا اسال : كيف حالك يا " فلان " وكيف حال الدنيا معك ..
فنظر لي بتقطيب لحاجبيه ارتسم على جبين متعجب من اسئلة مباشرة غير متحفظة .. وبدا لي ذلك غريبا ..
عندها تدخل صديقنا وقال له : يا رجل وكانك تنكره ؟ هل تغير عليك ؟ ام انك تمازحنا ؟
تنحنح هذا الفلان معلنا انه لا يعرفني ابدا بل لا يذكرني البتة .. فاسحضرت قول الناكر الذي قال : والله لو خرجت من جلدك ما عرفتك ..
صدمت كمن ظهر له وجها قد تحول فجاة من وجه انسان الى وجه مستذئب او مستحمر بصلف جاحد ونكران غريب غامض غموض اسبابه ودواعيه ..
وقفت بهدوء واعتذرت لانني اشتبهت في وجهه وظننت انه لشخص اعرفه .. حينها وقف صديقي ايضا ثم غادرنا ولازال غموض ذلك اللقاء يؤجج الاسئلة في راسي .. ولازال هذا الشخص يرائي وهو يعلّم معاني الوفاء و يفتح شدقية متحدثا عن النبل والقيم المشابهة ..

عُبُورٌ
نور الدين الطبوبي: لابد من فتح باب الانتدابات للمع...
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment