تسجيل الدخول  \/ 
x
أو
x
x

مدوَّنة القـــاعة

Blog de la Salle de profs

عُبُورٌ

هناكَ شيء غامض يجعلك تفتتن بمكان لا تعرفه إلاّ في صفحات كتب التاريخ أو في آثار جاثمة على وجه الأرض، أمر مُبهم يجعل الماضي السّحيق يتربّع في خانة من خانات حنينك إلى لحظات البداية ، إلى طفولةِ البشرية ، إلى أولى الخطوات الدّارجة في سُلّم الزمان ... تنبهر بحضارة ذابت بين طيّات الدهر و انتهت ، غير ان النّسيان لم يلفّها ... مصر الفرعونية تغدغ خيالي دوما ، فكان شدّ الرحال اليها ذات ربيع في منتصف العشرية الأولى من القرن الحادي و العشرين ... كانت سفرة بريّة بحثا عن متعة الضّرب في أمكنة كثيرة... رحلة جماعية ممتعة ...
عند العصر ، و خلال ساعتين ، وصلنا الى معبر رأس جدير ، و هناك وقفنا ساعات طويلة ، عدد كبير من المسافرين ، اغلبهم تجّار داخلون او خارجون ، سلع للتفتيش تفيض من صناديق السيارات و الشاحنات ....عند المغرب عبَرنا البوّابة ، تركنا أرضنا وراءنا . وطئت اقدامنا التراب الليبيّ ... و كانت المرّة الأولى التي أعْبُر فيها الحدود التونسية ، تملّكني شعور غريب ، هو مزْج بين الفرح الطفوليّ بالانعتاق و التحرّر من قيد او طوق و بين شعور الفقد او الوحدة ، كأن وطني ذراع دافئة كانت تلفني و تركتني أُُجابِهُ قسوة البرد ..
استنشقت الهواء أبحث عن المختلف في وطن آخر ، هذا المختلف الذي يتوجّب الحدّ و السور و البوابة ، فدغدغت أنفي نفس النسمات التي ملأت رئتيّ طول العمر ، نفس السماء ، نفس التراب الاسمر الصارخ تحت الأقدام " توقفوا عن ذبحي بأسواركم الوهمية و تقطيعي إربا إربا " ..
في الديوانة الليبية رأينا بناءً جديدا ، نظيفا و كبيرا يحتوي على كل ما يحتاجه المسافر من أكل و شرب و مُصلّى و مجموعة صحيّة ...
انطلقت الحافلة و قد حلّ الظلام، مررنا على مدن و قرى ، عجّت حركتها على جانبيْ الطريق و سطعت الأنوار في الدكاكين الحافلة بسلع أجنبية ، خاصة الاجبان و الشكلاطة و الحلويات و المشروبات و الغلال...تزوّدنا بما اشتهت أنفسنا و واصلنا الطريق .
حواليْ منتصف الليل ، دخلنا الى العاصمة طرابلس، وجدناها غارقة في هدوئها و سباتها ، الحياة هاجعة و نائمة في سلام ، عمارات و منازل صامتة تلفّ أسرار ساكنيها ...
لم أعد أتذكرأسماءالمدن و القرى التي مررنا بها ، و لكن لازلت أتذكرجيدا سلسلة الفوانيس الكهربائية التي تضيء الطريق الدّوليّ ليلا و نهارا .
عند الفجر ، وقفنا لنستريح في إحدى المحطات : توضّأنا ، صلّينا ، اشترينا ما يلزمنا من أكل و شرب فنحن مقبلون على الطريق الصحراويّ الطويل و الذي يكاد يخلو من محطات الاستراحة ...
سارت بنا الحافلة منذ غبش الصبح حتى الليل عبر الطّريق الصحراوي ، اختفت كل معالم العمران ، لا منازل و لا دكاكين و لا طرقات ، هو طريق واحد و أحيانا ترى فيه عربة أخرى..
الصحراء تطوّقنا و تتّسع على مدى البصر ،انه المشهد الحقيقي للبيداء و القِفار الممتدّ . انشغلت بتخيّل حياة القبائل العربية القديمة بتفاصيل كثيرة في مثل هذا المكان بخيولهم و بعيرهم و خيماتهم ..... و استحضرت أبياتا كثيرة للشعر الجاهليّ ..ثم أحسست بالضّجر و انا أرقب الامتداد من وراء البلور ، حتى تهيّأ لي ان الحافلة واقفة و الصورة ثابتة .
دخلنا مصر عبر الحدود الليبية ليلا ، ظلام دامس تتبعثر فيه مصابيح باهتة و متباعدة ، لا شيء غير الفراغ حدّ الشعور بالوحشة و الحزن .
أنزلنا أمتعتنا نجرها نحو قاعة كبيرة للتفتيش عبر جهاز السكانار ، أناس كثيرون و حقائب أكثر و الانتظار لازم ، لذا انطلقت أنا و ثلّة من رفيقات الرحلة للبحث عن مجموعة صحية ، و لكننا عدنا بسرعة و قد ملأنا التقزّز .. وما كدت ألج القاعة حتى اعترضني زوجي منزعجا و متوتّرا و هو يقول :
_ ما هو الرقم السري لفتح الحقيبة ؟ رجال الامن رأوا شكل مسدس على شاشة السكانار ! ؟
انفجرت ضحكا بما لا يتناسب مع الموقف ، و اتجهت رأسا الى الحقيبة المحجوزة افتحها ، فإذا المسدس هو مجفف الشعر الذي لا يفارقني في السفر .
بعد التفتيش تحوّلنا الى قاعة كبيرة مجاورة ، وساءني ان نمكث ساعات ثقيلة في ديوانة الحدود ننتظر تأشيرة آنيّة من الدولة المصرية لندخل ، و تقاذفتنا كراسيّ قاعة الانتظار ثم خرجنا أمام المبنى الكبير نمدّ الأرجل المتعبة على الرّصيف البارد تحت مصابيح ذابلة شرعت تحدّثني عن الحدود بين الدول الأوروبية ، هذه الحدود التي لا تحتاج جوازات السفر و بوابات العبور .... عن جمالها السّاحر و طبيعتها الخلابة و عن نبض الحياة فيها ، تحدّثني عن سلسلة الأضواء التي لا تنقطع و عن العمران المتّصل ، و فأجأتني حين أعلمتني ان مقهًى فاخرا و أنيقا ينتصب فوق الحدود البلجيكية الهولنديّة...
لم أشأ ان أكدّر صفو سعادتي باللقاء الأول أكثر مما تكدّر فغادرت الرصيفَ و المصباحَ لنواصل الرّحلة ..
بعد الظهر أصبحنا على مشارف القاهرة ، لاحت الأهرامات بعيدة ، شامخة ، هادئة ، تتربّع فوق الأزمان ، تنثر كل الحكايا و القصص ، تردّد صدى الأولين و اللاحقين ، لم أعد اسمع كل الأصوات من حولي ، و تركزت عيناي على قمة الهرم و هو يلوّح عن بعد ، شيء في أعماقي استفاق و تمّ نبشه ، آلاف من السنين القديمة اقتربُ منها و أراها ...
يومها رأيت الاهرامات بقلبي فقط...

ملاحظة : سبق ان نشرت جزءا من هذا النص

سلمى بن عبد النور

النّمْلُ
لكل مناسبة حكاية .. ( الحكاية الثانية )
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment