تسجيل الدخول  \/ 
x
أو
x
x

مدوَّنة القـــاعة

Blog de la Salle de profs

النّمْلُ

خَزَنَتْ الخالة حليمة حبات الكسكسي في حُقَقِ الطلاء البلاستيكية كبيرة الحجم ، الخير عميم هذه السنة ، منتوج القمح كثير ، ستأكل البطون حد الشبع هذا الشتاء ، قضت الخالة أياما و هي تداعب السميد و تحوّله الى حبيبات ...
حُقَق أخرى حَوَت دقيق القمح و البسيسة .. تُشعِرها هذه المؤونة بالاكتفاء و الطمأنينة...
و يزداد رضاها حين ترى زوجها و ابنيْها يكوّمون الحطب المقطوع من اشجار الصنوبر و الفلّين ، على كَوْمة الحطب أن تتضاعف أكثر و أكثر ... الشتاء بارد جدا و زمهريره لا يرحم ، ككل سنة ستكون الأمطار غزيرة و الثلوج كثيفة تغطي الدروب و تقطعها ، لن يدركوا قوارير الغاز في الدكاكين و لن تصلهم من المدن المجاورة ، كل شتاء يعيش الناس نفس المحنة ، لاشيء يتغير ، عليهم أن يتدبروا أمرهم بمكتسباتهم البسيطة ، عليهم أن يواجهوا الشتاء منذ الصيف ، عليهم أن يشتغلوا كثيرا مثل النمل ، و أن يخزنوا مؤونة الشتاء ، لا مجال لأن يكونوا مثل الصرّار ... هناك بعيدا جدا ، يغني الصرّار و يرقص حتى الثمالة ، يصدح بصوت يستحسنه البعض و يستقبحه البعض ، و لكنه يستمرّ في ممارسة طقوس الهرج ...
على الناس أن يكونوا نملا ، أن لا يستسلموا لجوع الشتاء و برده ..
تبتسم الخالة حليمة و هي تراقب النمل في فناء الحوش ... حركة دؤوب لا تهدأ ، تنقل ما جادت به الأرض من خير ، و ما سقط سهوا من البشر ... للنمل أيضا نصيب من عولة الكسكسي .. لن تحرمها الأخذ و شبع الشتاء..
في غرارة من الخَيْشِ خبّأت حُبيْبات القمح التي أسقطها الغربال لنحافتها .. هي طعام دجاجاتها أيام المطر و الثلج ، قُوتُها حين يمتنع عليها الخروج من قُنّها ، لن تتركهها تموت جوعا و بردا كما حدث الشتاء الماضي ، لما نزل الثلج بكثافة طوال أسابيع ..
انتبهت إلى وصول ابنتها و هي تدفع بساقها قارورة غاز معبّأة ... قارورة ثالثة اشترتْها الفتاة بما كسبتْ يُمناها من العمل في موسم الحصاد ، لا تريد ان تعوّل الاسرة على قارورتين فقط خلال الشتاء .. غير كاف ، يعزّ مطلب هذه القوارير أيام الثلج و تختفي من الدكاكين ، و تُباع في السوق السوداء بأثمان مضاعفة..
تقترب الخالة حليمة من كومة الحشيش المجفف و تقلّبه بالرفش لتمتص أشعة الشمس رطوبته فيصلح للخزن شتاءً ... البقرة أيضا لها نصيبها من المؤونة .
في الصيف لا يزور القلق سكان هذه المنطقة الجبلية الوعرة و النائية ، في الصيف تشرق الشمس طوال اليوم ، ينعم الناس بزرقة السماء و حرارة الطقس ، تغيب الأوحال من الطرقات و يعبرها الناس بأمان و تحلق العصافير في السماء ، في الصيف تطمئن القلوب و ينتهي موسم التوجّس و الخوف .. تقام الأعراس و يرقص الناس و تبتهج الافئدة و ينتهي القلق من كوارث الطبيعة ..
يخيم الظلام و تهدأ الحركة ، تتمدد الأجسام الكادحة في فناء الدار مستقبلة بوجوهها السماء المطرّزة بالنجوم الوضّاءة ، تظل الخالة حليمة تسبح ببصرها من نجمة إلى أخرى و تركب ذؤابة الهلال المحدّب و تتأرجح عليها .. المشهد ساحر ، تدندن بأغنية شعبية تتغنى بالليل و القمر حتى يثقل لسانها و يهاجمها النوم ، حينها تستغفر و تقرأ سورة الفاتحة و تنام..
شيء مرّ خلالها فأيقظها ، ليس جسما و لا يدا ، و إنما شميم دخان ، فتحت عينيها ، رأت في السماء لونا برتقاليا ينبعث من الأرض ، يتوهّج فتزداد حمرته " هل تشرق الشمس في الظلام ؟ " .. بسرعة جمّعت أفكارها و استوعبت الأمر :
_ انهضوا ، النار تأكلنا ، استفيقوا ، النار تأكل أكلنا و مؤونتنا ، تلتهم دفءنا و حليبنا و بيضنا ...
قفزت الأجسام المذعورة تخلّص حُقَق الكسكسي و قوارير الغاز في محاولة يائسة ، تندب الخالة حليمة حظ الفقراء أمثالهم و تصرخ حتى جف حلقها ، تغامر بالدخول الى المطبخ لافتكاك ما يمكن أن تفتكه من براثن النار ، يسحبها زوجها بعنف و يقول لها و هو يصرخ :
_ علينا أن نخلّص أنفسنا و أن نهرب ، النار ستأكل أجسامنا .. أرواحنا أغلى مما ادّخرنا
اطلقوا سيقانهم للريح على غير هدًى .. النار في كل الجبل تتّقد و تلتهم الأشجار و الأكواخ و المنازل و الاسطبلات في نهم شديد ، لا تُبقي و لا تذر ..و الناس يصرخون و يهرولون يطلبون النجدة ، فيرجّع الجبل صدى كلماتهم و صراخهم .

وعدٌ و انتظار
عُبُورٌ
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment