تسجيل الدخول  \/ 
x
أو
x
x

مدوَّنة القـــاعة

Blog de la Salle de profs

يوم عيد الامهات

هجره النوم منذ غبش الصبح ولكنه ظل ممددا على سريره يستعرض صورة أمه و كفاحها اليومي في تجلياته البسيطة من أجل الأبناء و تربيتهم و سعادتهم و من أجل الزوج و رضائه...إنه عمر طويل و عقود متعاقبة ، تذكر لحظات العبث الطفولي و اللهو و الضحكات البريئة و المقالب التي يدبرها لها فتضحك ملء شدقيها ... و تذكر لحظات الألم و الحزن و الوجع فتنهد وقال في سره " كم انت عظيمة يا أمي و يوم واحد في السنة ليكون لك عيدا لا يكفيك و لا يمكن ان يختزل تضحيات سنة بل عمر .."
اليوم عيد الامهات، من الواضح انه يوم حار، يعلن بداية فصل الصيف ، تنسّم همسات النسيم فاستشعر حرارة شديدة مقبلة مع ارتفاع الشمس .. انها رياح الشهيلي الصحراوية تعلن عن قدومها... ابتسم وحدث نفسه قائلا " هي حياتك يا امي حارة بالنشاط و الحماس كحرارة هذا اليوم لبناء ركائز اسرتنا ، هو عرق تعبك و عنائك يطفح على الوجوه و على الظهور المنحنية ... حتى الطبيعة تحتفل بعيدك على طريقتها للتذكير و الاعتراف..
منذ البارحة اطمأن على وردته الحمراء المغروسة في حديقة منزله ...اعتنى بشجيرة الورد منذ أشهر... غرسها و سمّدها و سقاها وراقبها طويلا و حدثها عن امه و تضحياتها و عن حبه العميق لها و أسرّ للبرعم في يوم دافئ .. شمسه حنونة ان هدية امه في عيدها وردة جميلة منه .. فازدادت الأوراق و الاغصان و الاكمام قوة و جمالا و تفتّقا .....
برمج تفاصيل يومه و قرر ان يقطف وردته عند الضحى ويحملها الى أمه كطفل تغمره الفرحة ، ويقبل جبينهاو يقول لها كلمات حب عفوية لا يمكن ان يرتبها الان ...
دبّت الحركة في المنزل حين استيقظت الزوجة و الأبناء و شمّ رائحة القهوة منبعثة من المطبخ فابتسم و دندن اغنية مارسيل خليفة " أحنّ إلى خبز أمي .. وقهوة أمي ......" و وجد ان رائحة قهوة امه لا تزال عالقة في ذاكرته ... ولكن قهوتها هي آخر مراحل الاستعداد لفطور الصباح فامه تعجن الدقيق ليلا قبل ان تنام و تتركه يتخمر حتى الفجر لتشكله خبزا مدورا ترصفه في الطابونة الحامية و يستفيق الأولاد وقد دغدغت رائحة الخبز الساخن انوفهم و أسالت لعابهم و حفّزت المعدة ...
قهوتها و خبزها و طفولته و الحنين ... و ترقرقت دمعات فياضة في عينيه و هو يواصل التّرنّم بكلمات الاغنية ..
قصد المحلات لشراء لوازم الغذاء من لحم و خضر و غلال و أصلح عطبا خفيفا في سيارته و طلب منه الأبناء ان يحملهم إلى محل بيع الورود لشراء باقة ورد لأمهم بمناسبة عيد الامهات ..
وكانت الحرارة شديدة والشمس كرة صفراء تبعث لهيبا و لفيحا ، وكلما تقدمت ساعات النهار كلما اشتدت الحرارة و زادت رمضاً ، و حين عاد الى المنزل عدل عن رايه السابق و قرر ان يذهب الى امه عند المساء و قد تدحرجت الشمس نحو مغربها و سَلِمَ الناس من سياط لفيحها و سيشرب برفقتها كأس شاي أخضر معطرا بأوراق نعناع حديقته ... باقة يحملها إليها ...
جَهُز الغذاء ، إنه غذاء يوم الأحد المميّز والذي تعود عليه منذ الطفولة المبكِّرة .. الكسكسي ..
تحرص أمه على ان يأكل كل أفراد العائلة من القصعة الكبيرة مجتمعين وكانت تردد واثقة ان الأكل في إناء مشترك يؤلّف بين القلوب و يزرع المحبة و الود في نفوس أفراد الاسرة ...
جلس هو و ابناؤه و زوجته فاطمة حول طاولة الطعام يمدحون ما اشتموا و ما رأوْا من تصنيف ومن لمسات فنية في تزيين السلطة و الكسكسي ..و طفقت الزوجة تنقل حبات الكسكسي بملعقة كبيرة الى كل صحن صغير ... وكان الجميع يوجهون لها عبارات المدح و الثناء في مرح و فذلكة ...وقبل ان يشرعوا في الأكل دق جرس الباب فتبادلوا نظرات التعجب و الاستغراب وقال احدهم : " من ذا الذي خرج من منزله في هذا القيظ اللافح ليأتينا ؟" و لم يفكر في الرد بتخمينات عديدة قفزت إلى ذهنه سريعا و دفع الكرسي من تحته بخفة و أسرع نحو الباب يفتحه .....
تجلّى وجه هنية أمام ناظريْه محمرا وقد شابته سمرة خفيفة جرّاء الهجير و بدت مرهقة لا تقوى على الكلام ..
فغر فاه و حدّق فيها مليّا و هجم عليها يحضنها و يعانقها و يقبّل جبينها و رأسها و قد احس بثيابها الساخنة جدا .. سألها بلهفة و حيرة : " ما الذي أخرجك في هذا الطقس المميت ؟!" ودون ان تجيبه دلفت الى البهو و جلست على أول كرسي اعترضها و نزعت غطاء راسها و شرعت تلوح به أمام وجهها تطلب نسمات تحتضر .. و قالت له مبتسمة في حب وقد أدركها الاعياء : " أتيت لأهنّئك بعيد الامهات " اندهش الأبناء و فاطمة لصنيعها و اقبلوا عليها يقبلونها و يهنئونها بعيدها .. و وضع يده على كتفها و جذبها إليه و قبّل رأسها و اختنقت الحروف في حلقه و داهمه شعور الخجل و الارتباك وقد امتزج بمشاعر الفخر بها و أوقفها واحتضن كتفيها و قادها الى غرفة الطعام و قد انحنى تمام الانحناء على جسدها النحيل و واصل تقبيل راسها و جببنها بلا انقطاع وهو يتمتم مذهولا "كل عام و انت بخير يا أطيب أمّ أطال اللّٰه عمرك و أبقاك ذخرا من الحب و الحنان فيّاضا أنهل منه ... ولكن هل حقا جئت من أجل التهنئة ؟ لا شك انك وقفت طويلا لتجدي سيارة اجرة في هذا الحر الشديد ! "
اجلسها و هو ما زال محتضنا كتفيها وحين ارتخى جسمها على الكرسي ابتسمت و هزت رأسها نحوه وقالت له في ود و كثير من الحب :
- أنا الام ، انا التي آتيك في مثل هذا اليوم .. إني أخاف عليك من شدة الحرارة و ان تُصاب بأذًى ...لن اجعلك تشقى من اجلي في هذه الرمضاء ... آتيك لاقول لك ان يوم ميلادك هو عيدي الحقيقي ... بمولدك أصبحتُ أمّا ... بمولدك تغيرت حياتي الى الافضل ... اشكر اللّٰه لانك ابني البارّ ... ألا تستحق تكبّد العناء لتهنئتك بعيد الأمهات " قالت كلماتها و ضحكت ضحكة صافية بريئة ، فبكى بكاء مخنوقا و ارتمى في حضنها يعانقها وحدثته نفسه ان لا مثيل لهنية التي عودت نفسها و أسرتها على الكفاح و التضحية منذ زمن بعيد ،وندّت عنه تنهّدة : " آه يا هنية" و اجهش بالبكاء " فدفعته عنها برفق و قالت له مازحة كعادتها :
- أتبكي كالاطفال الصغار أمام زوجتك و ابنائك !؟
ولكن حين نظرت اليهم وجدت اجفانهم مبللة بالدمع ...
شربت هنية و اكلت و ضحكت و داعبت الأبناء بفذلكتها البريئة و تحدثت طويلا ثم قررت المغادرة و أصرت ... وقبل وصولها الى الباب الخارجي عرّج بها نحو شجيرة الورد وقال لها سعيدا :
- هذه الوردة هديتك التي لا تحتاج الى الغلاف المزركش و الخيوط اللامعة ..
و أراد ان يقطفها فترجّته ان لا يفعل قائلة :
- الحرارة شديدة و ستذبل بسرعة .. و حين ياتي الليل و يبترد الجو هاتها مع النعناع لنتسامر في باحة الحوش.
بقلم الأستاذة سلمى بن عبد النور
16أوت2016

تهنئة
وعدٌ و انتظار
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment