تسجيل الدخول  \/ 
x
أو
x
x

مدوَّنة القـــاعة

Blog de la Salle de profs

يخرج الحي من الميت...

طهرت قلمي بحبر من دمي لابثه وجعي يمشي على الورق فتتراقص الحروف لا جذلا ولا شجنا هو بين هذاوذاك اقتلني لاحي من جديد..من منا الحي؟ ومن منا الميت ؟ اين انت مني امي!؟ ليشهد الميت على الحي...
......................................
كانت امي تروي لي الحكاية وعيناها زائغتان كانها تنظر من وراء حجاب حدثتني بلهجة حزينة تستحضر الاحداث من جديد قالت انني اصبت وانا لا زلت رضيعا بمرض عضال لم تستقرّ على اثره حرارة جسمي استعملت معي كلما توفر لديهاّ من وسائل تخفيض الحرارة المتوفرة في ذاك المكان القصي وذاك الزمان التائه لكن دون جدوى الى ان حان يوم السوق حيث حملني والدي الى المستشفى ،هناك قاموا بحقني وطلبوا منه انتظار فرج صعب التحقيق حملني بين ذراعيه والالم يمزق اوصاله كمسمار صدئ دق بين اضلعه ..نخس حماره و اتجه بي راسا الى منزل العائلة بالمدينة تفرست جدتي وزوجة عمي مليا في وجهي وقلبتا جسدي المحموم ثم طلبتا منه حملي الى امي بشط المركب،اختارت امي الفلاحة الصالحة حياة الشقاء بشط المركب تنحت الصخر باظافر من زبر الحديد تشكل الطين وتبثه الحياة من روحها فضلت الامداء المترامية وهدير الامواج على حياة المدينة بين جدران مغلقة دون نبض فكيف ستقابل بعضا منها بلا حراك لا بد لها ان تملا مني عينيها قبل مفارقة الروح للجسد ، هذا ما فكرت فيه جدتي وزوجة العم في حين انشغلتا بصنع حبات الكسكسي من دقيق القمح وتبرعت زوجة عمي بلحاف جديد ،كفنا في بياض ونقاء الملاك..هو الموت اذا قدر يطاردني وكفن يلاحقني فمن يفدي روحي من العذاب قبل ان يحتفل دود الارض بمضغة لزجة سقطت قبل ان يحين قطافها هل للموت موعد يسهل الخلاص قبل الشقاء ..في الطريق استوقف الوالد عجوزا لتتفحصني فقلبه لا يطاوعه ان يتامل قطعة من لحمه تغادرها الحياة رغم ان لديه خمسة اطفال قبل هذا الرضيع العليل ثلاثة ذكور وبنتان هل يزيد العدد ام ينقص من ضخ ذرات زينة الحياة ،صاحت العجوز :
-يا ويلي ان اعينه زائغة وقد غشيها غبار الطريق و طال المسير وهو لا يبدي حراكا عد به من حيث اتيت
لكن الوالد اصر على موقفه كيف يعود لزوجته وقد ترك قطعة من كبدها ؟باي وجه سيقابلها؟هل تثّاقل شجرة بدون ثمارها ؟وهل تشرق شمس دون نور؟ ؟ لا يدري والدي لِمَ يشعر بمسؤولية فقدي وهو يجتهد ليلا نهارا من اجل اعالتنا حتى نحت في الارض مسلكا غائرا من اثر اقدامه المتكلسة وهو يساير جملا يصَّاعد وراءه دلو ماء يعتقه من بئر سحيقة..استنهض همة حماره وواصل السير يقطع مسافة هي في عداد الزمن دهرا باكمله كانت الحيرة والضياع يقضمان من اعصابه والالم يعتصر قلبه ...اعترضته امي عند قدم التلة:
-اين ولدي ؟هل هو بخير ؟
كان ابي واجما لا يحرك ساكنا كمن اصابه مس او فقد عقله قرات "الصالحة" على صفحة وجهه ما ايقظ داخلها تلك النمرةالمتحفزة اختطفت رضيعها من بين احضان ابيه وازالت عنه اللحاف وسارعت بضمه الى صدرها فاحست بنبضات قلب عصفور صغير تخفق بين جدران قفصه قربته اليها اكثر وسقته من ماء الحياة حليبا يتدفق من روحها خفقت اجنحة العصفور الصغير ورفرفت كما خفق قلبه الوهن شرب حتى ارتوى واحس بالدفء فنام قريرا....بعد سويعات اقبل عمي لاهثا وهو يكشط غيضه :
-لماذا تاخرتم عشاء الميت جاهز وكفنه ينتظر مرافقته الى مثواه الاخير
ولاول واخر مرة في حياتها تصيح امي في وجه شقيق زوجها الاصغر الذي يناديها بالفلاحة سيدة الارض وقاهرة العالم السفلي:
-ولدي حي ابن شط المركب لن يموت سيظل شامخا كجلمود صخر من مزيج ملح البحر وهباءات الطين المتكلسة تتكسر على اعتابه اعتى الامواج ابن الصالحة سيصارع لن يموت قبل ان يعزق ارض اجداده وابيه ويصعد التلة ليشهد المدينة تركع تحت اقدامه من بعيد ريثما تتلألأ انوار المئذنة ايذانا بالغروب.بذرة المعاناة لن تذوي الا تحت النور ولن تتنفس الا هواء نقيا ممتزجا بانفاس قطرات ندى فجر باسم ...
ابث وجدي و وجعي حبرا من دمي يمشي على الورق يسير ولا يقف اين انت ليشهد الميت فينا على الحي!؟
...العالم يكرهنا يا امي. ..

حكايتي والبحر ... الجزء الأول
الجوادي يدخل المدرسة 1
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment