تسجيل الدخول  \/ 
x
أو
x
x

مدوَّنة القـــاعة

Blog de la Salle de profs

حكايتي والبحر ... الجزء الأول

«حكمت المحكمة على المتهم ....بعدم سماع الدعوى»
واخيرا هكذا نطق القاضي ،بالامس، بعد ان فقدت ثقتي بالحياة وتناثر كياني الى هباءات تدغدغ الماقي فتحترق الشفاه بملح الدمع وقد عجزت الى الان عن لملمتها لاعادة تشكيل المشهد كما كان فقد تركت جروحا غائرة في اعماقي وندوبا في جسدي وقلبي مع حزن دفين في عائلتي فما انكسر لا يعود ...
الجزء الاول
مذ وعيت في هذه الحياة تلقفني البحر بهدوئه وثورته في "شط المركب"*حيث انام واصحو على وشوشته وهديره حتى الفته فساكنته واستانست به،اشاركه هدوءه وثورته... اشهد معه ميلاد الشمس من حمرة ممتزجة بزرقته لارافقها حتى تختفي وراء التلة من الجهة المقابلة...هو حبيبي الذي يفتح لي ذراعيه ليحضنني اناجيه ،اسمعه،اتذوق ملوحته انظر اليه وينظر لي رغم انني اشعر بضآلتي امام امتداده وجبروته.... اسير اليه في اوقات فرحي وحزني فارسم احلامي على الرمال وابني قصورا واتفنن في تزويقها واحاطتها بسور يحميها لكن الامواج كانت تدركها فتقوضها وتدك قلاعهافتغمرها المياه لاعود من جديد الى البناء والتشييد ،كبرت قليلا وادركت سن السادسة وازداد تعلقي وتمازجي برفيقي حيث لا صديق لي بتلك المنطقة ولا انداد ....كنت اسير على الشاطئ تدغدغ قدميّ المياه الباردة وتلتصق بها الطحالب التي لفظتها الامواج ،احيانااعثر على كبة من خيوط الصنارة وبها شصوص صدئة فافك عقدها واصل القطع ببعضها لكن الخيط لا يزال قصيرا ومسارب الحلم طويلة ،طويلة :«ويا امواج البحر هبي وثوري من سباتك واقذفي حلمي على شاطئ الروح أَلْق لي ببعض الخيوط انسجها احلاما للطفولة »
ازداد التصاقي بالبحر فكنت الاقيه كل صباح قبل شروق الشمس اتصفح امواجه واعانق لجاجه اتهادى على شاطئه وفي مخيلتي الصغيرة ان هناك من يسبقني اليه ويستاثر بتلك الخيوط فيمنعني حلمي الذي كان يسبقني فيجرني وراءه جرا وكم كنت اعود باللاشيء كما تمحي الامواج اثار اقدامي.....وكم كانت فرحتي عارمة يوم اكتملت صنارتي ،ربطت اليها شصين ولكن كيف سالقي بها في الماء فلا بد لي من "مثقال" ربطتها الى حجارة صغيرة لكن الامر لم يفلح فسرعان ما ينزلق الخيط وتتلاشى الحجارة عن ناظريَّ...ثم اهتديت الى حل فككت البراغي من محراث والدي وشددتها الى الخيط ،اخيرا، اكتملت ملامح المشروع ساصطاد حلمي الصغير بهاتين اليدين وسيعانق كفَّايَ ما كان بالامس مستحيلا، َحفرت في الرمال واخرجت بعض الديدان وكانني استخرج امجادا دفنها الاجداد ،تفانيت في وضع الطعم بيدي الصغيرتين حيث امسك بالدودة بين السبابة والابهام لامررها في الشص ثم القي صنارتي في البحر فيرافقها قلبي الصغير«هيا حققي الحلم سجلي ميلاد بطل صغير» ،ارتعش الحلم داخلي واهتز وربا ،نظرت الى السماء فتشكلت تلك الغيوم الخفيفة ،على صفحتها،اسماكا تسبح وفراشات ترفرف :«ما هذا القرش الذي يلتهم اسماكي ويمنعها صنا رتي ابتعد عن طريقي» ثم لا ينفك المشهد يتشكل من جديد تتشتت الغيوم وتتفرق فتعود الفراشات المزركشة تقود سرب الاسماك ويختفي القرش اللعين في اعماق السماء ،ها هي تغازل الشص ،انها تقضم الطعم ....
افقت من سرحاني على جذبة خفيفة سمع لها قرع داخل صدري ازدادت حدة القرع بازدياد وتيرة جذب الخيط لاصبعي ،ارتعشت جميع اطرافي وسرت رعشة باردة في اوصالي حتى بدوت اتراقص على ايقاع الخيط وخفقان القلب ،كم هي عذبة ،مخدرة موسيقى الحلم !جذبت الخيط جذبة خفيفة فاذا به يزداد ارتعاشا فطفقت اجذب واجذب وكم بدت لي المسافة طويلة وطريق الحلم محفوفة بالمخاطر:«لا تخذل صديقك ايها البحر سيكون اول انتصار لي »واخيرا ها هي سمكتي الاولى ،باكورة حلمي، تشق طريقها الى قلبي على صفحة الماء،تقترب وتقترب لتتقلب على الرمال تشع بالوانها الذهبية تحت خيوط الشمس فتلتمع لها عيناي غبطة ...
يومها لم افاخر بسمكتي ولم احملها معي كما يفعل الاطفال بل ارجعتها الى البحر سيكتشف والدي امر البراغي التي فككتها من المحراث وسيعاقبني لانني اضعت وقتي في البحر واهملت خرفاني وابقاري كما ان والدي ينظر الى البحر على انه سبب للتسكع وان الصيادين فاسدو الاخلاق يشربون الخمر ويهملون عوائلهم......وهكذا صرت استرق الوقت واسترقني لممارسة هوايتي فعند الغروب اوفي منتصف النهار وعندما يذهب الجميع لاخذ قيلولة لمواصلة العمل تحت سياط الشمس الملتهبة كانت وجهتي صديقي البحر وصنارتي سلاح حلمي ومصدر فخري بيني وبين نفسي فقط لأنني كنت دائما اعود خالي الوفاض فما يجود به عليّ صديقي البحر ارجعه له،وهكذا كنت ادفن حلمي داخل صدري واحتفي به بين اضلعي ترافقني في ذلك اسراب النوارس وهي تعانق خط الافق بين الماء والسماء ايذانا بالرحيل....يتبع....
صورة للمكان (شط المركب فجرا)

بقلم فوزي النجار

حكايتي والبحر...الجزء الثاني
يخرج الحي من الميت...
 

Comments

No comments made yet. Be the first to submit a comment